الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

144

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الأمر بين الوجوب والندب لفظيا أو معنويا بل وغيرهما أيضا لقيام احتمال الوجوب القاضي باحتمال ترتب العذاب على الترك فيصح الكلام المذكور وإن لم يستعمل شيء من الأوامر في الوجوب ومنها أن ما وقع التهديد في مخالفة الأوامر بإصابة الفتنة أو العذاب الأليم فيحتمل ذلك على سبيل التقسيم بأن يراد به أن المخالفين لأوامره تعالى بعضهم يصيبه الفتنة وبعضهم يصيبه العذاب وكان المراد بالفتنة الآفات والمصائب الدنيوية لظاهر مقابلته بالعذاب فلا يفيد كون أوامره مطلقا للوجوب بل قضية ذلك جواز انقسام الأوامر إلى قسمين على حسب الغاية المترتبة على مخالفتها فأقصى ما يفيده إرادة الوجوب من بعض الأوامر وهو ما هدد عليه بالعذاب وذلك مما لا كلام فيه فلا يفيد المدعى ومنها أنه لا يتعين أن يراد بمخالفة أمره تعالى ترك ما أمر به كما هو مبنى الاحتجاج إذ يحتمل أن يراد به حمله على خلاف مراده فلا يفيد المدعى وقد أشار إليه المصنف رحمه الله ومنها أنه يحتمل أن يراد بالمخالفة الحكم على خلاف ما أمر الله تعالى به كما هو إطلاق معروف في مخالفة بعض الناس لبعض ومنها أن التهديد المذكور وإن تعلق بمخالفي الأمر لكن المهدّد عليه غير مذكور في الآية فقد يكون التهديد واردا عليهم لأمر غير المخالفة فلا يفيد المطلوب ومنها أن المخالفة في الآية قد عديت بعن مع أنها متعدية بنفسها فليس ذلك إلا لتضمينها معنى الإعراض كما سيشير المصنف إليه وحينئذ فيكون التهديد المذكور واردا على المخالفة على سبيل الإعراض ويحتمل حينئذ أن يكون وروده عليهم من جهة إعراضهم من الأمر لمجرد تركهم كما أخذ في الاحتجاج ومنها أنه يحتمل أن يكون قوله الذين مفعولا ليحذر ويكون الفاعل مستترا فيه راجعا إلى السابق فيكون المقصود بيان الحذر عن الذين يخالفون عن أمره لا وجوب الحذر عليهم ليفيد استحقاقهم للعذاب من أجل مخالفتهم ومنها أنه لا دلالة في الآية على تهديد كل مخالف للأمر إذ لا عموم في الموصول فقد يراد به العهد ويكون إشارة إلى جماعة مخصوصين فغاية الأمر حينئذ أن يكون الأوامر المتعلقة بهم للوجوب وأين ذلك من دلالة مطلق الأمر عليه ومنها أن ظاهر المخالفة هو ترك الأمر الإيجابي إذ المتبادر منها هو التصدي لخلاف ما يقتضيه الأمر إذا نسب إلى الأمر أو خلاف ما اقتضاه الآمر إن نسبت إليه وليس في ترك الأوامر الندبيّة مخالفة للأمر ولا للآمر نظرا إلى اشتمال الأمر الندبي على إذن الآمر في الترك فإن أتى بالفعل أخذ بمقتضى الطلب وإن ترك فقد أخذ بمقتضى الإذن الذي اشتمل عليه ذلك الطلب ولو عدّ ذلك أيضا مخالفة فلا ريب أن إطلاق المخالفة غير منصرف إليه وإضافة المخالفة في الآية إلى الأمر لا يقضي بكون كل ترك للمأمور به مخالفة وإنما يقضي بتعلق التهديد على الترك الذي يكون مخالفة وهو الترك الذي لم يأذن فيه فيختص التهديد بمن ترك العمل بمقتضى الأوامر الوجوبية لا من ترك المأمور به مطلقا ليفيد كون الأمر المطلق للوجوب ومنها ما عرفت في الإيراد على التبادر والآية السابقة من أن أقصى ما يفيده دلالة الأمر على الوجوب مع الإطلاق وهو أعم من وصفه له إذ قد يكون ذلك لوضع الصيغة لمطلق الطلب وانصراف الطلب إلى الوجوب حتى يقوم دليل على الإذن في الترك كما هو ظاهر من ملاحظة الحال في لفظ الطلب حسبما مرت الإشارة إليه وقد يجاب عن الأول تارة بأن قوله عن أمره مصدر مضاف وهو مفيد للعموم وقد أشار إليه المصنف وتارة بعد الغض عن كونه عاما بكفاية الإطلاق في المقام لتنزيله منزلة العموم وأخرى بورود التهديد على مخالفة مجرد الأمر وقضية ذلك كون المناط في ورود التهديد هو مخالفة أمره تعالى من حيث إنه مخالفة له وذلك كاف في إثبات المطلوب مع عدم ملاحظة العموم على أنه حينئذ مفيد للعموم نظرا إلى حصول المناط في مخالفة سائر أوامره المطلقة وعن الثاني أن ظاهر عموم اللفظ لأمر في المقام هو العموم الأفرادي فيكون التهديد واقعا على مخالفة كل واحد واحد من أوامره لا على مخالفة الكل بمعنى المجموع لبعده عن العبارة سيما إذا قلنا باستفادة العموم من جهة التعليق على مجرد المخالفة أو لقضاء الإطلاق به وعن الثالث ما عرفت من كون تعليق التهديد على مجرد مخالفة الأمر قاضيا بعدم استناد فهم الوجوب إلى شيء آخر عدا الصيغة وجعل نفس التهديد الواقع قرينة على إرادة الوجوب غير متجه إذ قضية ذلك إتيانهم بما يستحق معه الذم والعقوبة مع قطع النظر عن التهديد المفروض حتى يصح تعلق التهديد بهم إلا أن يكون استحقاقهم لذلك بعد ورود التهديد عليهم كما هو قضية جعله قرينة على إرادة الوجوب من غير دلالة الصيغة بنفسها عليه على ما هو الملحوظ في الإيراد وعن الرابع بأن ملاحظة أصالة عدم النقل وظهور اتحاد الوضع كافية في إتمام المقصود وهي معتبرة في إتمام كل من الأدلة المذكورة وقد أشار إليه المصنف في الحجة الأولى وكأنه تركه في البواقي اتكالا على الظهور وعن الخامس بصدق الأمر لغة وعرفا على الصيغة الصّادرة من العالي خالية عن القرائن الدالة على إرادة الوجوب وعدمها وقد دلت الآية على التهديد بمخالفة الأمر فيفيد كون الصيغة المذكورة دالة عليه وهذا مراد من قال في الجواب أن الأمر حقيقة في الصيغة المخصوصة فإنه إنما عنى بها الصيغة المطلقة الصادرة عن العالي الخالية عن القرائن والمقصود أن هذه الصيغة حينئذ مما يصدق عليه الأمر حقيقة من غير شائبة تجوز أصلا والشاهد عليه ملاحظة الإطلاقات العرفية مع قطع النظر عن ملاحظة اعتبار الاستعلاء في مفهوم الأمر وعدمه ولا يكون لفظ الأمر حقيقة في خصوص الطلب الحتمي أو الصيغة الدالة على ذلك أو الأعم منه بل يكفي بملاحظة صدق الأمر عرفا على الصيغة المفروضة وذلك كاف في استفادة دلالة الصيغة على الوجوب من الآية الشريفة وعلى فرض ثبوت اعتبار الاستعلاء في مفهوم الأمر وتسليم كون الاستعلاء ملزوما للوجوب لا مانع من صحة الاحتجاج إذ غاية الأمر دلالة الصّيغة المطلقة حينئذ على استعلاء المتكلم وإلزامه وهو عين المطلوب والحاصل أن ما ذكر من عدم الملازمة بين وضع المادة والصيغة مسلم إلا أن الواقع في المقام بمقتضى فهم العرف خلافه لعدم فرقهم في ذلك بين لفظ الأمر ومصداقه وعن السادس أنه بضميمة أصالة عدم تعدد الأوضاع وملاحظة استقراء سائر الألفاظ يمكن تتميم المقصود وإن قلنا بتعميم محل الخلاف بغير مصداق الأمر أيضا فبعد ثبوت وضع الصيغة الصادرة من العالي لذلك يثبت الحكم في غيرها أيضا نظرا إلى الأصل والغلبة المذكورين فاحتمال كون الصيغة الصادرة من العالي حقيقة في الطلب الحتمي دون الصيغة الصّادرة من غيره مع اتحاد اللفظ في الصورتين خارج عن سياق الوضع في سائر الألفاظ حسبما مرت الإشارة إليه وعن السابع بما يأتي الإشارة إليه في كلام المصنف وعن الثامن بأن احتمال العذاب منفي على القول بعدم